أحدث الأخبار




بلد وسخة بقلم محمد طلبة رضوان

هل تعرف دلالة ترسخ هذه القناعة عند الناس، إن كنت من هؤلاء الذين يرققون أصواتهم، افتعالًا، وزيفًا، ويتغنون بأناشيد ما بعد الفوز في مباريات كرة القدم التي اختزلت مصر في جزمة حسام حسن، الوطنية السمجة، الساذجة، المجانية، فأرجوك لا تقرأ هذا المقال، اقفله، شوف غيره، صاحب المقال لن ينقصه قارئ، هو أصلًا لم يكتب لكي يقرأ مثلك، إنما هو كلام، مجرد كلام، حركة، جري في المكان، مجرد شعور، عزاء، بالقدرة على فعل شيء، الكلام في مقابل الإعدام، ما أضعف الكاتب، وما أشد تقصيره، وسذاجته، وبلاهته وهو يتصور أنه سيغير الكون بكلامه، فيما لا يستطيع تغيير قناعات أصدقائه؟
نجح السيسي، وانتهى الأمر، نجح الفاشل، نجح في أن يجرنا جميعًا إلى مستنقع الحرب الأهلية، الدم، اللغة التي لا يعرف السيسي غيرها، القتل، مهنته القتل، لا السياسة، الهدم، والتدمير، لا البناء، هذه هي بيئة استمراره، وتحصيله للمزيد من المكاسب، مسلح يواجه عزلًا، ويقتلهم بدم بارد، يقتل، ويقتل، ويقتل، دون كلل ولا ملل، يقتل كي يعيش هو، ينهب ويفقر، كي يغتني هو.
بلد وسخة، الناس تقول، الناس تؤمن، انتهى الأمر، الناس تموت من الإهمال، مسجون يطلب العلاج، فترفض إدارة السجن، يتعمدون إذلاله، يقتلونه بالبطيء، مساجين يستجيرون، لا مجيب، قضايا ملفقة، اثبت العكس، التلفيق سهل، والإعدام أسهل، هم سيعدمون كما شاؤوا، أنى شاؤوا، متى شاؤوا، لديهم من يقضي، يحكم، يوافق، يشرعن، إسلام، ومسيحية، لا شيء صعب؛ إلا أن الناس، كفرت، ألحدت بالوطن، إذا كان بعضهم فعلها وكفر بدينه، ألحد لأنه رأى شيخه يأكل بمؤخرته، يبيع دينه على أبواب الحكام، يرضى بسفك دماء الناس، ويشجع عليه، ويبرره، بعضهم كفر بنفسه، ألحد، انتحر، خنق نفسه، قطع شرايينه، ألقى بروحه في سماء بعيدة عن هذا البلد الظالم أهله، هان الدين، وهانت النفس، فلماذا لا يهون الوطن؟
أعدموا ناسًا ماتت، أعدموا ناسًا مسجونة، أعدموا ناسًا لم يكونوا هنا وقت عدم وقوع الجريمة، أعدموا ناسًا كانوا في السجن قبل وقوع الواقعة، أعدموا ناسًا قبضوا عليهم في قضايا أخرى ولفقوا لهم، وسدوا بأسمائهم خانات، أعدموا ناسًا من باب استكمال الإجراءات، وإخافة السايب، أعدموا تلامذة في الثانوية العامة، لا يكادون يعرفون عن الدنيا شيئًا يذكر، عيال، أعدموا كل من استطاعوا إلى إعدامه سبيلًا.. بلد وسخة.
لماذا لا يفكر الشباب في العنف؟ لماذا يصدقوننا حين نطنطن بكلمات مثل السلمية، الأخلاقية، القانون، الدولة؟ ما الذي يدفعهم لاحترام أي قيمة؟، وكل شيء أمامهم خاضع للا منطق، القوة، والعافية، ومن يقدر على شيء فليفعله؟، تمامًا مثلما يحدث في كل البلاد الوسخة.
كنا نسخر إلى وقت قريب من كلمات مثل الاصطفاف، نحاول أن نلحق بما تبقى من ثورة “عاقلة”، زايد إعلام العساكر على الفكرة، رفضها الرفاق، بدورهم، اتفاق نادر بين الطرفين، توشك الفكرة أن تنتهي، لا أحد يريد، لا هذا ولا ذاك، الآن، سنتذلل للتاريخ كي تعود لحظة “عصر ليمون”، وقبول، الناس سيقتل بعضهم بعضًا، كي يستمتع الجنرال بمناخ أكثر مناسبة لحكمه.
بعد الحكم على شباب عرب شركس، دون الاهتمام بتوفير مبرر واحد لمجتمع متابع، مات الشارع، الكافرون بالبلد تجاوزوا شريحة المحبطين، المصدومين، الإسلاميين، الإخوان أو غيرهم إلى أساتذة الجامعات، علوم السياسة، والاجتماع، هؤلاء المنوط بهم حمل المجتمع على أكتاف تجاربهم، وقراءاتهم، يهربون، لأن البلد وسخة، هكذا يخبرونك بوضوح.
الجنرال يتصور أن الإسراف في القتل والإعدامات الظالمة، سيحميه من قرف الشارع وإحساسه بوساخة البلد، وفشل حكامها، وبلاهتهم، وقلة حيلتهم، ونهبهم للمليارات، وتركهم الناس لوحل الحياة، بكافة تفاصيلها، الضابط الذي يقتل في سيناء بسبب فشل الجنرال في تأمينه، يقتل أمامه ناشط في القاهرة، العدل لا يهم على الإطلاق، الهيبة وفش الغل، وإرضاء الغرور، هي محددات صناعة شخصية الحاكم الفرد في البلد الوسخة، أرجوك لا تتردد في إلحاق الوصف الصحيح الصريح بالدولة التي صنعها العساكر على أعينهم ومشانقهم، الوساخة، البالوعة، المصرف، المستنقع الذي ألقونا فيه جميعًا سيطفح قريبًا جدًا، أقرب مما تتخيل، بما لا نستطيع جميعًا تحمله، أو دفع فاتورته، لا نحن، ولا الأوساخ؛ وبناء عليه، إذا كان من أمل، ولو بسيط في إنقاذ أي شيء، فهو ابتداء في الاعتراف، ثم في التفكير في إجابة السؤال بصيغته الصحيحة، من ينقذ مصر من أوساخها؟، من ينقذ أوساخها من أنفسهم؟، من يمنحهم ثورة تنقذهم هم أنفسهم قبل أصحاب الثورة من مصير بائس يشملهم مع خصومهم؟ أين الذين ضحوا بكل قيمة حقوقية وإنسانية من أجل ما أسموه الحفاظ على الدولة، الدولة تغرق، تحترق، توشك على الحرب الأهلية، فيما أنتم صم بكم عمي، أين مسؤولياتكم فيما تصدرتم له، لم يعد من مجال لمناقشة أي تفاصيل، ربما يسكت ولا يلقي بالًا من يملك حق تذكرة المغادرة، ولكن ماذا يفعل من لا يملك؟ مثل هذا لن ينتظركم كي تغادروا وتتركوه وحده لمصير محاكم التفتيش، في الحرب، حين تغلق كل الثغور على خصمك ولا تترك له فرصة للهرب وقت استشعار الخطر الشديد، فأنت تحوله من مشروع مهزوم، إلى وحش كاسر، يلتهم كل من حوله، وما حوله؛ لأنه ليس لديه ما يخسره، مصر كلها الآن ليس لديها ما تخسره.

Labels:



Leave A Comment:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.